ابن حزم
10
المحلى
وأما نحن فان هذا لا يلزم عندنا ، لان الفرائض لا تجب الا بنص أو اجماع . ومن سلك هذه الطريق في الاستدلال فإنه يريد ايجاب الفرائض وشرع الشرائع باختلاف ، لا نص فيه ، وهذا باطل ، ولم يتفق قط على وجوب ايعاب جميع الرأس في الوضوء ولا على التدلك في الغسل ، ولا على ايجاب الزكاة في خمس من البقر فصاعدا إلى الخمسين . وإنما كأن يكون استدلالهم هذا صحيحا لو وافقناهم على وجوب كل ذلك ثم أسقطنا وجوبه بلا برهان ، ونحن لم نوافقهم قط على وجوب غسل فيه تدلك ، ولا على ايجاب مسح جميع الرأس ، ولا على ايجاب زكاة في خمس من البقر فصاعدا ، وإنما وافقنا هم على ايجاب الغسل دون تدلك ، وعلى ايجاب مسح بعض الرأس لاكله ، وعلى وجوب الزكاة في عدد ما من البقر ، لافى كل عدد منها ، فزادوهم بغير نص ولا اجماع ايجاب التدلك ومسح جميع الرأس والزكاة في خمس من البقر فصاعدا وهذا شرع بلا نص ولا اجماع ، وهذا لا يجوز فهذا يلزم ضبطه ، لئلا يموه فيه أهل التمويه بالباطل ، فيدعوا اجماعا حيث لا اجماع ، ويشرعوا الشرائع بغير برهان ، ويخالفوا الاجماع المتيقن . وبالله تعالى التوفيق . وأما احتجاجهم بقياس البقر على الإبل في الزكاة فلازم لأصحاب القياس لزوما لا انفكاك له ، فلو صح شئ من القياس لكان هذا منه صحيحا ( 1 ) ، وما نعلم في الحكم بين الإبل والبقر فرقا مجمعا عليه ، ولقد كان يلزم من يقيس ما يستحل به فرج المرأة المسلمة في النكاح من الصداق على ما تقطع فيه يد السارق ، ومن يقيس حد الشارب على حد القاذف ، ومن يقيس السقمونيا علي القمح والتمر ، ويقيس الحديد والرصاص والصفر على الذهب والفضة ، ويقيس الجص على البر والتمر ، في الربا ، ويقيس الجوز على القمح في الربا ، وسائر تلك المقاييس السخيفة ! ، وتلك العلل المفتراة الغثة ! : أن يقيس البقر على الإبل في الزكاة ، والا فقد تحكموا بالباطل وأما نحن فالقياس كله عندنا باطل . وأما قولهم : لم نجد في الأصول ما يكون وقصه ثلاثين ، فإنه عندنا تخليط وهوس ! لكنه لازم أصح لزوم لمن قال محتجا لباطل قوله في ايجاب الزكاة ما بين الأربعين والستين من البقر : اننا لم نجد في الأصول ما يكون وقصه تسعة عشر ، ولكن القوم متحكمون .
--> ( 1 ) هنا بحاشية النسخة رقم ( 14 ) بخط غير جيد وهو غير خط كاتبها ما نصبه ( هذه وقاحة ! هيهات الإبل من البقر )